أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
548
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
332 - إلهي إن اختلاف تدبيرك ، وسرعة حلول مقاديرك ، منعا عبادك العارفين بك من السكون إلى عطاء ، واليأس منك في بلاء . قلت : اختلاف التدبير ، هو إقامة كل عبد في حكمته ، على حسب إرادته ومشيئته ، من فقر أو غنى ، من علم أو جهل : من عز أو ذل ، من قبض أو بسط ، من سقم أو صحة أو مرض ، من إيمان أو كفر ، إلى غير ذلك من اختلاف آثار القدرة ، وتنوع مظاهر الحكمة . وسرعة حلول المقادير ، هو تبديل تلك الأحوال في أسرع حال ، من فقر إلى غنى ، ومن غنى إلى فقر ، ومن علم إلى جهل ، ومن جهل إلى علم ، ومن عز إلى ذل ، ومن ذل إلى عز ، ومن قبض إلى بسط ، ومن بسط إلى قبض ، ومن سقم إلى صحة ، ومن صحة إلى سقم ، ومن إيمان إلى كفر والعياذ باللّه ، ومن كفر إلى إيمان ، فقلوب الخلق بيد اللّه الواحد القهار ، يقلبها كيف يشاء ويختار ، ويفعل بها ما يشاء : لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] ، فإذا تحقق العبد بهذا امتنع من أن يسكن إلى ما أعطاه مولاه ، لأنه قد يسلبه ذلك في ساعة [ واحدة « 1 » ] ، وامتنع أيضا أن ييأس من مولاه في وقت شدته وبلواه ، قال تعالى : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [ الشرح : 5 ، 6 ] . ودوام الحال من قضايا المحال ، لكن لم يتحقق بهذا ذوقا إلا العارفون ، فلذلك لا يسكنون إلى عطاء ولا ييأسون في بلاء ، بل يسكنون إلى من بيده المنع والعطاء ، فلذلك لا يزول اضطرارهم ، ولا يكون مع غير اللّه قرارهم ، ودليل ما قاله الشيخ قوله تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] ، ولا مفهوم لليوم ، بل في كل لحظة هو في شأن يرفع أقواما ويخفض آخرين ، يعز قوما ، ويذل آخرين ، يميت قوما ويحيى آخرين ، يعطي قوما ويمنع
--> ( 1 ) ليست في المطبوع .